بسم
الله الرحمن الرحيم
مَن
ساءت خاتمتهم في الدنيا، ساءت عاقبتُهم في الآخرة، وهؤلاءِ ما قادَهم إلى هذه النهاية
المُخزِية إلا جملة من الأسباب، والتي لا بدَّ أن يعلمها كلُّ مؤمن، حتى يكون منها
على حذر، ومن هذه الأسباب:
فساد
المعتقد والتَّعبُّد بالبدع:
وهو
أن يعتقد الإنسانُ في ذات الله -تعالى- أو صفاتِه أو أفعاله خلافَ الحق، إما تقليدًا،
أو برأيه الفاسد، فإذا انكشف الغطاء عند الموت، بان له بطلان ما اعتقده، فظن أن جميع
ما اعتقده لا أصل له.
فهذا
هو ابن الفارض عمرُ بن علي الحمويُّ المتوفَّى سنة 632هـ، والذي كان يقول وينعق بالحلول
والاتحاد، ويقول بحلول الله - جل وعلا - في مخلوقاته، وأن العبد هو الرب، والرب عبد،
قال عند موته وهو يحتضر بيتين من الشعر، يعبِّر فيهما عن شقوته، وعن هلاكه،
جعل
يبكي ويقول:
إن كان
منزلتي في الحبِّ عندكمُ**** ما قد رأيتُ فقد ضيَّعتُ أيامي
أمنيةٌ
ظفرتْ نفسي بها زَمَنًا*** واليومَ أحسَبُهَا أضغاثَ أحلامِ
قال
ذلك عندما عاين سخط الله - جل وعلا - وكشف له عن حقيقة أمره؛ وكم
خُتِم لكثير من البشر بهذا، عندما ابتدعوا في دين الله - عز وجل - وزاغوا وانحرفوا
عن صراط الله المستقيم، وظهرت حقيقتهم في أول لقاء لهم مع ربِّ العالمين - سبحانه
- فإن أهل البدع هم أكثر الناس شكًّا واضطرابًا عند الموت، وذلك
لسوء معتقدهم، وفساد قلوبهم، ومرضها بالشبهات والشكوك؛ فهم الذين قال الله- عز وجل- عنهم:﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾[الزمر:
47]، وقال -تعالى-:(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ
صُنْعًا)[سورة الكهف 103 - 104]
تعلُّق
القلب بغير الله:
فإذا
تعلَّق القلب بالله - عز وجل - فإنه يسعد في الدنيا والآخرة، ومهما تعلَّق بغير الله
- عز وجل فإنه يشقى في الدنيا والآخرة؛ ففي
القلب فقر واضطرار إلى الله - عز وجل - لا يسعد إلا بمعرفته، ولا يطمئن إلا بطاعته
وعبادته وذكره، قال -تعالى-:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ
اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[سورة الرعد 28]
فإذا
تعلَّق القلبُ بغير الله محبةً، أو توكلاً، أو خوفًا، أو رجاءً، فلا بد أن يشقى العبد،
فهو تَعِيس غير سعيد، والأمر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -في صحيح البخاري:( تعِس عبدُ الدِّينارِ ، والدِّرهمِ، والقَطيفةِ، والخَمْيصةِ، إن أُعطِي رضي،
وإن لم يُعْطَ لم يرْضَ ).
فاجعل
حبَّك الأول والأكبر والأعظم لله ولرسوله، ولا تجعل حبَّ الآباء، أو الأبناء، أو الإخوان،
أو الأزواج، أو العشيرة، أو المال، يطغَى على حبك لله ولرسوله،(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[سورة التوبة 24]
فكل
مَن أحب شيئًا غير الله عُذِّبَ به ثلاث مرات في هذه الدار، فهو يُعذب به قبل حصوله
حتى يحصُل عليه، فإذا حَصَل عليه عذِّب به حال حصولِه بالخوف من سلبه وفواتِه، فإذا
سُلِبه اشتدَّ عليه عذابُهُ، فهذه ثلاثةُ أنواع من العذاب في هذه الدار, وأما في البرزخ،
فعذابٌ يقارنه ألمُ الفراقِ الذي لا يرجو عَوْدَه، وألمُ فوات ما فاته من النعيم العظيم
باشتغاله بضده، وألمُ الحجاب عن الله، وألمُ الحسرة والتي تقطعُ الأكباد فالهمُّ
والغمُّ والحسرة والحزنُ تعمل في نفوسهم نظيرَ ما تعمل الهوامُّ والديدانُ في أبدانهم،
بل عملُها في النفوس دائم مستمر، حتى يردَّها الله إلى أجسادها، فحينئذٍ ينتقلُ العذاب
إلى نوع هو أدهى وأمرُّ"؛(الداء والدواء لابن القيم - رحمه الله).
فلا
يجوز للعبد أن يعلِّق قلبه بغير الله - عز وجل - لأن ذلك قد يغلب على قلبه، ويشغل خاطره
عن ذكر الله في الدنيا وعلى فراش الموت.
1- ذكر ابن القيم - رحمه الله - كما في كتابه
"الداء والدواء" (صـ 200): "أن رجلاً تعلَّق بشخص وأحبَّه، حتى وقع
ألَمٌ به، فتمنَّع عنه، واشتدَّ نفارة منه، فاشتد المرض بهذا البائس المحب حتى لزم
الفراش - فراش الموت -
- فلم تزل الوسائط تمشي بينهما حتى وعد بأن
يعوده - أي يزوره - فأخبر بذلك هذا البائس بهذا
الخبر، ففرح واشتد فرحه وسروره، وانجلى
عنه بعض ما كان يجده، وبينما كان الرجل في الطريق لزيارته، رجع،
وقال: والله لا أدخل مداخل الريب، ولا أُعرِّض نفسي لمواقع التهم، فأُخْبِر بذلك البائس
المسكين، فسقط في يده ورجع إلى أسوأ ما كان، وبدت علامات الموت عليه،
حتى قال في آخر رمق له وكان آخر ما قال:
أسلمُ يا راحةَ العليلِ*** ويا شِفَا المُدْنِف النَّحِيلِ
رضاكِ أشهى إلى فؤادي***من رحمةِ الخالقِ الجليلِ
فقال الراوي: يا فلان، اتَّقِ الله -تعالى- فقال: قد
كان ما كان، فقال الراوي: فقمتُ عنه، فما جاوزت باب داره، حتى سمعت صيحة الموت، فنعوذ
بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة".
معلمتي أم المنتصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق