الأحد، 17 مايو 2015

قلبك قبل رمضان


قلبك قبل رمضان 1
- ما أهمية صلاح القلب؟
قال رسول لنا صلى الله عليه وسلم :((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) "صحيح البخاري"(كِتَاب الْإِيمَانِ/بَاب فَضْلِ مَنْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ/52),
- هل لهذه المضغة شرف خاصا بها؟
هذه المضغة العجيبة هي سبب شرف الإنسان وفضيلته التي بها فاق جُملة من أصناف الخلق, فإنّ استعداد الإنسان لمعرفة الله عزَّ وجلَّ هذا الاستعداد للمعرفة والعلم الموجود في القلب هو الذي يُشرِّف الإنسان.
فإذا امتلأ القلب عِلمًا عن الله، تقرَّب إلى الله وسعى إليه، تجده بنور الله يستضيء، والجوارح تكون مثل الخدم يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال المالك للعبد، ويستعملها استعمال الراعي للرعية ,
- ما هو مصدر صلاحنا ؟
فمدار صلاحنا: (قلوبنا)، فالقلب هو المقبول عند الله إذا سَلِم من غير الله, وهو المحجوب عن الله إذا صار مُستغرِقًا بغير الله.
فهذا القلب هو المخاطَب وهو المعاتَب وهو الذي يَسعُد بالقرب من الله، وهو الذي يحصل له الفلاح إذا تزكّى، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنَّسه وداسه العبد ودسَّه، إنّ تدْسِية العبد لقلبه كأنّه يضعه تحت قدمه؛ لماّ يمنع عنه التزكية كأنّ هذا يُدَسِّيه فيدُسُّه فيدوسُهُ.
هذا القلب العظيم إذا عرفته وتقلّباته، فقد عرفت نفسك؛ وإذا عرفت نفسك فقد بدأت في معرفة ربك، والعكس بالعكس.
وكن حذراً أن يُحال بينك وبين نفسك, وأن يُحال بينك وبين قلبك.

قلبك قبل رمضان 2
- هل آفات القلوب أصعب من آفات الأبدان ؟
آفات القلوب أصعب من آفات الأبدان؛ لأن مرض البدن يُفضي بصاحبه إلى الموت أمّا مرض القلب فيُفضي بصاحبه إلى الشِّقاء الأبدي.
والطريق للشفاء من هذه الآفات العِلم عن الله سبحانه وتعالى،ولذلك وصف اللهُ كتابه:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} شفاء لأمراض الصدور .
الآن كثير من المشكلات بين الناس -وخاصة بين طلبة العِلم- سببها أمراض تعتري القلوب، ولا توجد حقائق شرعية ولا سبب لما يفعلون إلا أنك تقول : يوجد مرض, يوجد غلّ وحسد وكبر واحتقار وسوء ظن, وهذه ليس لها حلّ إلا أن تُعالَج القلوب؛ لأننا في سفر إلى ربّنا، فلو ضللنا الطريق مالذي يردّنا؟!{وَعَلَى اللَّـهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ‌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} .
إنّ من عرف أنه يسير إلى ربّه بقلبه، عرف أهميّة إصلاح قلبه، وعرف خطر الأمراض على القلب؛
- هل للقلب حالات يمر بها ؟
حالاته تعتمد على وصف الحياة, أي قلبٌ صحيح أو قلبٌ حي.
1- القلب الحي
هو القلب الصحيح, وهو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى به.
- السلامة من أي شيء؟
و السليم هو السالم الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له،
نقول هذا القلب سلِم من أن يكون لغير الله, سلِم من أن يكون فيه شرك, فلا يكون في هذا القلب السليم أحد غير الله فيكون كله لله إرادةً ومحبة وتوكلاً وإنابة وإخباتاً وخشية ورجاءاً، فإرادته لله ومحبته لله وتوكله على الله وإنابته إلى الله خلَّص عمله لله، وهذا إذا أحبَّ، أحبَّ في الله, وإن أبغضَ، أبغض أعداء الله, وإن أعطى، أعطى لله, وإن منعَ، منع لله.
قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صَغُرت إلا ويُنشر لها ديوانان (لمَ ؟ وكيف؟ ) أي لما فعلْت؟ وكيف فعلْت؟.
- هل للقلب أقوال وأعمال؟
فهذا القلب السليم له أقوال وله أفعال:
فأقوال القلب هي العقائد، في مقابل أن أقوال اللسان هي الخبر عما في القلب.
أعمال القلب هي حركاته: الإرادة، المحبة، الكراهية, البغض, الرجاء, الخوف, الإنابة, الإخبات, الخشية ثم يتبعها أفعال الجوارح
قلبك قبل رمضان 3
- ذكرنا أن للقلب السليم أقوال وأفعال , كيف نطبقها في حياتنا ؟
يجب أن لا أتقدّم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم, لا بعقيدة ولا بقول ولا بعمل ولا بطريقة إنما نقول للقلب. لم فعلته؟ من أجل من ؟ تريد رضا من ؟ وكيف فعلته ؟ هل فعلته كما أمرك الله عز وجل أم خلاف ما أمرك ؟.
1- إذن السؤال الأول , لم ؟
 هل تريد الدنيا؟ هل تريد المدح؟ هل تخاف الذم؟ هل أنت تستجلب محبوب عاجل أم تدفع شيء تخاف منه الآن؟ أم أن باعثك على القيام بهذا العمل هو العبودية, وأنت تطلب التودّد إلى الله بهذا العمل, وتريد أن تتقرب إلى الله, تريد أن يحبك الله وتأخذ الوسائل إلى رضاه؟ يعني هل أنت تفعل هذا الفعل لمولاك أم لحظك وهواك ؟{وَرُ‌دُّوا إِلَى اللَّـهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} .
 2- السؤال عن المتابعة, هل فعلت فعلك على ماشرع النبي صلى الله عليه وسلم
- أم أنه من هوى نفسك ؟
إذن سلامة القلب ستكون بأن تفعل الفعل لله فليس لك إرادة تُعارض الإخلاص, وليس عندك هوى يُعارض الاتباع، هذه هي حقيقة سلامة القلب .
3 - القلب الميت :
هذا القلب الميت - نعوذ بالله من موت قلوبنا – لا حياة فيه.
- ما هي صفات القلب الميت ؟
أ. أول صفة للقلب الميت الذي لا حياة فيه : أنه لا يعرف الله.
ب. ومن ثمّ لا يعبده بأمره وبما يُحب الله؛ هذا واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه.
ج. لا يفكر وكل ماعنده الفوز بشهوته وحظه ليرضى, فإذا لم يفز بشهوته وحظه سخط؛ فهذا أكيد أنه عبد لغير الله حبًا وخوفًا ورجاءً ورضًا وسخطًا وتعظيمًا وذلاً.
د. هذا القلب الميت إذا أحبَّ أحبَّ لهواه, وإذا أبغضَ أبغضَ لهواه, وإن أعطى أعطى لهواه, وإن منعَ منعَ لهواه. فهوى قلب هذا الإنسان مُقدَّم عنده على الله وأحب إليه من رضى مولاه.
ينادَون إلى الله وإلى الدار الآخرة فلا يستجيبون للناصح! فالدنيا هي التي تُسخطه وتُرضيه، والهوى يَصمّه ويُعميه. وهذا لا يضر فقط نفسه! إنما مُخالطة صاحب هذا القلب سُقم, ومعاشرته سُم, ومجالسة مثل هؤلاء هلاك! فهؤلاء أمراضهم قلوبهم الميتة تُعدي! فنعوذ بالله من موت القلوب .

قلبك قبل رمضان 4
1. القلب السقيم
هذا قلب فيه حياة لكن أيضاً فيه علة. وكما يصف ابن القيم هذا القلب:"له مادّتان تمُدّه" يعني مادة الحياة تمدُّ القلب ومادة العِلَّة والمرض تمد القلب.
"وهو لما غَلب عليه منهما" يعني هذا القلب فيه محبة الله, فيه الإيمان, فيه الإخلاص, فيه التوبة, فيه التوكل, فهو حي بهذا. لكن في الجهة الأخرى محبة الشهوات وفيه إيثارها والحرص على تحصيلها، وفيه الأمراض الخطيرة: فيه الحسد, فيه الكبر, فيه العجب, فيه حب العلو, فيه الفساد في الأرض – والله المستعان -.
وهو مُمتحَن بين داعيين:
1. داعٍ يدعوه لله ولرسوله والدار الآخرة
2. وداعٍ يدعوه للعجلة التي تعجل به في العاجلة، أي يأخذ كل شيء بعجل من الدنيا، وهو يجيب أقربهما وأكثرهما جوارًا له,{لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَ‌ضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّ‌بِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } فالأول في قلوبهم مرض, وهناك القاسية قلوبهم, وهناك من تخبت له قلوبهم . إذًا الآية في سورة الحج تدل أن هناك ثلاثة قلوب : قلبانِ مفتونانِ وقلبٌ ناجٍفالمفتونان هما
1. القلب الذي فيه مرض
2. والقلب القاسي.
- ما هي مرض القلب ؟
قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان :
علامات مرض القلب :
1- القلب المريض يُقدم الأدنى على الأعلى فيهتم بتوافه الأمور على حساب دينه.
2- القلب المريض يكره الحق ويضيق به صدره. خصوصًا أنّه يجد أن هذا الحق يخالف هواه فيكرهه. - يعني ليس كل حق يكرهه لكن يكره الحق الذي يخالف هواه-
3- القلب المريض يقبل أي شُبهة تأتيه ويتأثر بها –نعوذ بالله من الشيطان الرجيم
4- القلب المريض يُحب المعصية ولا تُؤلمه جراحات الذنوب.
 5- القلب المريض لا يُحب ذكر الله ولا الأماكن الطيبة ولا أهل الخير, لا يُحب الطاعات وتكون ثقيلة على قلبه.
 6- القلب المريض ضعيف في خوفه من الله .
- ما الخلاصة لما سبق ؟
القلب الصحيح هو الذي همّه كله في الله, حبه كله له, وقصده لله وبدنه لله وأعماله لله ونومه لله ويقظته لله. هذا يُحب الخلوة ويؤثرها على الخُلطة إلا حيث تكون الخُلطة أحب إلى الله.

أما القلب الميت فإنه لا يسمع ولا يبصر! قال تعالى:{وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}.

قلبك قبل رمضان 5
- ما الدليل على مرض القلب ؟
 القلب المريض ,قال سبحانه وتعالى:{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ‌ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُ‌ونَ},إذن هؤلاء أبدانهم حية تسمع الأصوات وترى الأشخاص, لكن حياة البدن دون حياة القلب مثل البهائم,
- ماذا نفعل إذا وجدنا قلوبنا مرضى ووجدنا العلامات تنطبق علينا؟
علاج القلب المريض:
أول وأهم نقطه: الاستعانة بالله على صلاح القلب.
 أنت قلبك لا تملكه مهما فعلت, إذا لم تستعن بربك فلن ينصلح قلبك . النبي صلى الله 
عليه وسلم يدعو ربه بثبات قلبه على الهدى، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس يُكثر أن يقول: (يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قَلبي على دينِكَ)، وقد ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ)فَقِيلَ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ(وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي بِرَحْمَةٍفلابد من الاستعانة, تلك العبادة العظيمة التي أُهملت, (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) عبا
- ما هو هدي محمد عليه الصلاة والسلام في الاستعانة ؟
 الآن أنت تستعين بالله على صلاح قلبك هذه الاستعانة عبادة وقُربى إلى الله. انظر لهدي محمد عليه الصلاة والسلام وافعل مثلهالنبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل في حقه وحق أصحابه :{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}. فالمقصود أن العبد عليه أن يحتمي بربه وخالقه من أجل ان يُسدَّد. أنت هذا مرادك وتريد صلاح قلبك, لكن ما الطريق للصلاح؟ الطريق يُدلك الله عز وجل عليه ويفتح لك أبوابه.
- ما أهمية الإستعانة؟
العبد عليه أن يعتني بالاستعانة لأنه كلما عظمت الاستعانة قرُب السداد و قد كان سهل بن عبد الله التُستري يقول: "ليس بين العبد وربه طريق أقرب إليه من الافتقار فلابد من الإكثار من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
منافذ الإصابة بأمراض القلوب :
1)النظر: لأن النظر هو الذي يُصور الأشياء للقلب فيُريه الحق والباطل والعبر والعظات.
2)السمع: لأن به يسمع الهدى وبه يسمع الضلال أو لا يُفرِّق.
3)التفكر: يعني أسلوبك في التفكير, وهذا النوع يحصل في القلب فيسمع ويبصر بطريقة صحيحة لكن يفكر بطريقة غير صحيحة، يرى الأشياء لكنه يركبها معًا في أسلوب تفكيره بصورة خاطئة، فهو نوع فساد يحصل للقلب يفسد به تصوره وإرادته ويتعطل سيره إلى الله أو أحياناً يمنعه بالكلية.

قلبك قبل رمضان 6
تكلمنا عن أمراض القلوب وأنواعها , وسوف نتكلم عن طرق علاجها بإذن الله تعالى :
أهم خطوة تعلق القلب بالله تعالى والإستعانة به في جميع أحواله :
1- الاستعانة بالله على صلاح القلب
والنبي صلى الله عليه وسلم كان  يُكثر من قول : (يا مُقَلِّب القُلوب ثَبِّت قلبي على دينك), وفي الحديث الذي فيه هذا الدعاء, عن أنسٍ قال: كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلِيهِ وسَلَّم يُكثرُ أنْ يقول:
(يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قَلبي على دينِكَ) فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ آمنَّا بكَ وبما جئتَ بهِ فهلْ تخافُ علينا؟ قال: (نعمْ إنَّ القُلوبَ بينَ أصبُعينِ من أصابعِ اللهِ يُقلِّبها كيفَ شاءَ). سنن الترمذي– أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم – 7:باب ماجاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، صححه الألباني.
وهذا معناه أنّ العبد عليه أن يخاف من نفسه, و يعتمد على ربه، و مما يساعدنا على الاستعانة كما مرّ معنا أن ننظُر إلى هدي الأنبياء و الصاحين, فيتبيّن لنا كيف كان ذُلّهم وانكسارهم! وكيف عاملهم الله واستجاب لهم، فكُلّما تَعظُم الاستعانة يقترب السَّداد.
وقد مرَّ معنا قول سهل بن عبدالله التستري:"ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الإفتقار"؛ بمعنى أن الفقر أقرب طريق يوصل العبد إلى الله, والفقر هو أساس الاستعانة؛ لأن المُستَعين لا يَستعِين إلا إذا شَعَر بفقْره.
2- مراعاة القلب حال مرضه
مما يُصلح القلب, أن تُراعي قلبك وقت المَرض, لأنّه من المعلوم أن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصّحيح, فالمريض يضرّه يَسيرُ الحَرّ و يَسيرُ البرد و يَسيرُ العمل؛ لأنّ المريض لا يقوى على هذا فبسبب مرضه يصبح ضعيفاً, بمعنى أن المرض بالجُملة يُضعف المريض ويجعل قوته ضعيفة , فلا يطيق بدنه ما يطيقه القوي,
الحل: أننا وقت ما نكتشف أنّ قلوبنا مريضة بأيّ مرض من أمراض القلوب، بعدما تُشخّص المرض
مثلاً: مريض (فيه رياء, فيه كبر, فيه عجب, فيه حسد, فيه علو في الأرض, فيه حب للرياسة), لو شخّصنا واكتشفنا أن القلب مريض بهذا المرض, لابد أن نكون حريصين عليه, القلب المريض يقع مباشرة في المرض على حسب ضعفه.
فمثلاً: لو إنسان لديه حالة من الكِبْر (مريض بالكِبْر) فأي نجاح بسيط جداً أو أي ثناء عليه ولو كان من أحد ليس له قيمة, يجعله ينتفِخ وتَتَضاعَف عليه آفته ومرضه, والسبب أنه مريض، والمريض يؤذيه أقلّ الأشياء ليس مِثل الصحيح الذي ليس لديه 
هذا المرض،فعلينا أن نكون شديدي الحرص على اكتشاف أمراضنا وشديدي الحرص على إبعاد أنفسنا عن الأجواء التي تسبب لنا المرض.

قلبك قبل رمضان 7
- هل هناك مثال يوضح المعنى ؟
لو عين مريضة يتعذَّر عليها الإبصار، لو يد مريضة يتعذَّر عليها أعمال اليد من البطش والأخذ و المنع، لو أذن مريضة يتعذَّر عليها السَّماع.
- ماذا لو القلب مريضاً؟
يتعذَّر عليه فِعل ما من أجله خُلق؛ يعني لو القلب هذا فيه غلّ وحِقد وحَسَد, وهذا القلب كثير الظُّنون, كثير التفكير في الناس وأحوالهم, كثير المقارنة, هذه كلها أمراض. وهذه الأمراض ماذا ستفعل به في قلبه؟ من المؤكد أنها ستمنعه مما خُلق لأجله!
من أجل ماذا خُلق القلب هذا؟
لأجل العِلم عن الله وتوحيده , لأجل حبّ الله, لأجل التلذُّذ بذِكر الله, لأجل إيثاره على كل الشَّهوة, فالقلب هذا خُلق للعِبادة، ومن مرض قلبه استخدم قلبه لغير العبادة!.
وخلاصة ما سبق:
أن القلب كلما كان أبعد من الله، كانت الآفات عليه أسرع, وكلما اقترب من الله بعُدت عنه الآفات,
هل البعد عن الله له مراتب ؟
البعد عن الله يكون على مراتب :
1- الغفلة تبعد عن الله ,قال تعالى { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا }
2- المعصية أشد من الغفلة :{ ومن يعملْ سُوءاً أو يَظْلِمْ نفسَهُ ثمَّ يستغفِرِ الله يَجِدِ الله غفوراً رحيماً}
3- والبدعة أعظم من المعصيىة إن لم تكن مكفرة :{إن الذين فرّقوا دينَهُمْ وكانوا شِيَعاً لسْتَ منهم في شيءٍ إنّما أمْرُهُم إلى الله ثمّ يُنَبِّئُهُم بما كانوا يفْعَلون}
4- الشرك أعظم من البدعة :{فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} 
- كيف أعرف مرض القلب ؟
1- ملاحظة القلب . أي تأمله وتقليبه , والنظر في أي شيء مليء .
2- ملاحظة المرض الذي يزيد من بعده عن الله .
- ماذا أعمل بالضبط ؟
تلاحظه في المواقف وأنت على ذلك عليك أن تدْرس أمراض القلوب ؛ لكي تتصور مقياس تقيس به قلبك, هل هو مُصاب بالكِبْر أو مُصاب بالحسد, أو غير ذلك من الأمراض .
أول شيء أشخّص مرضه، هل تشعر أنه بعيد منقطع؟! إذن هو مريض. ماذا أفعل؟! أُشَخِّص مرضه, بعد تشخيص مرضه, أُراعي القلب, بمعنى لا أُعرضه لأسباب تَلَفِه كما أنّي لا أُعَرِّض بدني لأسباب التلف. فكما أن مريض الزّكام يستخدم الحار و الدافيء من المشروبات ويبتعد عن المُثلَّج والبارد منها؛ والسبب أن لا يزداد مرضه, هذا فيما يتداوله الناس لأبدانهم و ربما يخالف أحد. لكن المقصود أنّ هذه الطريقة الطبيعية التي يعيشون عليها الناس.

قلبك قبل رمضان 8
مازلنا نتكلم عن ملاحظة المواضع التي تزيد من مرض القلب .
مثال ثاني :
أنت الآن عندما شخّصت مرضك, بقي عليك أن تحميه من أسباب المرض، ولا تكذِب على نفسك و تقول أن هذا المدح الذي يمدحونني إياه ليس بشيء, أو أنا لا أشعر به, ويكون هذا المدح قد امتدَّ إلى فؤادك, ودخلت روافده في قلبك وأصبحت تُدمنه و تتطلّبه وتحزن إذا فَقَدْت هذا المدح! 
- ماذا تفعل عندما تكون مريضاً بهذا المرض؟
لا تسمح أبداً بدخول المدح إلى حياتك, تُراعي قلبك لأن لا يفسد.
أنت مُصاب بالرياء تبذل جهودك أن تحفظ قلبك و أعمالك من الرياء.
كذلك من عنده أمراض جنسية فعليه أن يبتعد تماماً عن أي وضع أو أي تصرُّف يُثير فيه هذا الانحراف و هكذا.
الخطوة الثالثة من خطوات إصلاح القلب:
تَتَبُّع الحالات التي يَنْشَط فيها هذا القلب المريض 
معناه : أن قلوبنا مثل أبداننا إذا حافظنا من الأمور التي تكون سبباً في إهلاكها تبدأ تدُبُّ فيها الحياة، لما تدُبُّ الحياة (كـأنها بدأت تعود إلى الصِّحة)
- ماذا نفعل؟
لا نُسارع في ترك قلوبنا ولا نَثِق أنّه تمّت صحّتها بل نكون في حال حرص واختبار لها, نختبرها هل هي حقاً استقامت أم لا؟! وأيضاً نكون حذرين مِن أن نشِذ و نحن نريد من نفوسنا أن تستقيم, نحذر أن نشذ شذوشاً يجعل نفوسنا لا تستقيم.
في أبسط مثال:
إنسان بخيل بذل جهوده في علاج نفسه، وَصَل أن يكون مُبذّر, نقول له: لا لم تسِر في الطريق الصحيح نحن نريد الأمر الوسط.
ومثلاً إنسان سريع التعلُّق بغير الله نقول له: التعلُّق بغير الله مرض, سواء بدفع منفعة أو بجر مفسدة أو التعلق بمعنى المحبة , المحبة التي تجر وراءها البلاءات, فهو الآن يصِل لحال خاطئة, يرفض أن يُكوِّن علاقة توصله إلى الدار الآخرة وإلى طريق الله، نقول له: التعلُّق بغير الله مرض من أشدِّ الأمراض على القلوب, تُشغِلها عمّا خُلقت له, فتجد هذا ساهـي غافل عاصي بعيد عن الله بسبب تعلّق قلبه بغير الله، لكن هذا لا يعني أنَّه ليس هناك حالة مستقيمة بل يُمكن أن يكوّن مع الناس علاقات دون أن يتعلَّقلكن من هنا إلى هنا يجب أن يمرّ الإنسان بفترة صحة,
- هل هناك أمثلة توضح المعنى ؟
مُصاب بالتعلّق يعالج نفسه؛ في فترة العلاج يجب أن لا يَسمَح لأحد أن يَدخُل حياته لأنه مازال مريضاً؛ فأقل كلام وأقل تصرّف يسبب له زيادة المرض,
1- والذين آمنوا أشد حبا لله },{ اللهم إني أسألك حبك } هذه النصوص تعالج القلوب من التعلق بغير الله .
2لابد أن يردّد في أنَّ (من تعجَّل شيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه!) فهذا الذي تريده سواء كان مشاعر أو منافع تريد أن تصِل إليها, لا تتعجَّلها فتُحرمها, فيبقى يُكرر على نفسه إلى أن يتأدب!. إذا أصبح صحيحاً وأصبحت هذه الثغرة مع الدعاء والاستعانة والاستعاذة مسدودة .
ما أعظم تنبيه لمن أصيب بالتعلق بالناس ؟
يذاقه الله تعالى مرّ التَّعلُّقات, فيشاهد الناس الذين يتعلق بهم كيف يَقلِبون عليه وكيف يكشِفون ستره, فييفهم أن الله يصرف قلبه عن التعلق بغير الله تعالى .
- هل يثق بقلبه وهو لم يشفى تماما ؟
 فلا يثق تماماً أن قلبه شفي :
 بل يختبره فإذا وجد أي علامة على أنه لازال متعلق يعود للعلاج.
 أما إذا اعتدل وضعه وأصبح يرى نفسه استقامت، وهي تستقيم لما يُكثر من الدعاء ويسأل الله ويطلب الشفاء لقلبه فيستقيم الإنسان ولا ييأس من روح الله، من عاش هذه المعايشة والحمد لله ربنا شافاه, فنقول له: احذر أن تسلك مسلكاً شاذاً فتقطع علاقات ولا يصبح عندك علاقات خوفاً من التعلُّق.
قلبك قبل رمضان 10
الخطوة الخامسة في معالجة القلب المريض :
ملاحظة: المعركة التي لابد أن تنتصر فيها التقوىهي معركة, مع القلب والجنود تبع له، لقد ابتلانا ربنا بعدو لا يفارقنا طرفة عين, لا ينام ولا يغفل, يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه ، أي أمر يمكنه أن يكيدنا فيه يكيدنا، ويستعين بذلك ببني جنسنا أو بني جنسه (إما شياطين الجن أو الإنس) له حبائل وفخاخ .
- هل هناك أعوانا يكونوا معنا ؟
لقد أعطانا عسكر وجنود نردّ بهم كيد الشيطان , وقامت هنا سوق الجهاد, مُدَّة عمرنا, ومدة عمرنا لو أضفناها للآخرة كَنَفَس واحد من أنفاس الآخرة!
 فساحة المعركة العظيمة هي قلبك , والجهاد أحبّ شيء إلى الله, وأهل الجهاد أرفع الخلق عند الله وأقربهم إليه وسيلة."والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين."
- هل جهاد القلب عبادة ؟
 أحبّ العبادات إلى الله (الجهاد) في القلب، فالقلب هو محل معرفة الله ومحل محبة الله وعبودية الله والإخلاص له و التوكل عليه ، وأيّده بجنود لا يفارقونه, فالملائكة و الوحي و الرسل وهذه الآيات الكثيرة التي حوله يكشف لنا الأمور حتى أن يقينه يوصله كأنه يعاين ما وعد الله أولياؤه {أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
- كيف تكون هذه الحر ب ؟
 جمعت في أربع كلمات, كما ذكر ذلك ابن القيم, في ختام آل عمران, بعدما ذكر أولي الألباب آخر آل عمران كان وصف كيفية هذه الحرب، فقال سبحانه تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُ‌وا وَصَابِرُ‌وا وَرَ‌ابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فسبحان اللهلماذا؟ أنت الآن لن تهزم العدو إلا عندما تصبر , قلبك هذا به لَمَّة للمَلَك ولَمَّة للشيطان, ففي كل موقف وكل حالة تسمع صوت يأمرك بالخير وصوت يأمرك بالشر، فتصير معركة من صوتين:
فإن كنت تتعلم يُصبح صوت الخير أعلى من صوت الشر, لكن ليس مجرد التعليم هو الذي يأتي بالنتيجة، يجب أن تكون وقت اتخاذ القرار صابر,
- هل الصبر وحده يكفي؟
ليس الصبر فقط إنما لا يتم الصبر إلا بمصابرة العدو (المصابرة: المقاومة , الدفاع), إذا مصابرة العدو تحتاج إلى أمر آخر أن تبقى مرابطاً
- ما معنى مرابطة؟
 يجب عليك أن تكون على ثغرات قلبك وتحرسه، فهنا عين وهنا لسان وبطن وهنا يد وهنا فرج, كل هذه ثغرات منها يدخل العدو يدخل من هذه الثغرات فيُثير هذه الأشياء عليك, ويُفسد ما استطاع أن يُفسده, فأنت عليك أن تبقى على ثغرات قلبك، عليك بالمرابطة.
هذه الثلاث التي هي إلى الآن : الصبر و المصابرة و المرابطة إذا أفلحت فنجحت تُصبح تقياً.
هذه هي التقوى الآن؛ فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى.
- متى تقوم التقوى ؟
نكمل غدا بإذن الله

قلبك قبل رمضان 11
- متى تقوم التقوى؟
لا تقوم التقوى إلا على الصبر, اصبر و صابر و رابط و ستجد إن شاءالله تقوى الله.
- ماذا أفعل مع كل ثغرة ؟
كل ثغرة من هذه الثغرات (العين و الأذن و اللسان و اليد), كل واحدة منها علينا أن نرابط فيها. فإذا دخل عدوك من هذه الثغرات تصبح قتيلا أو تصبح مثقلا بالجراحات،
- ماذا عليك أن تفعل؟
أنت موجود في الحياة من أجل هذا الجهاد, تبقى على هذه الثغرات و تستعين على هذه الثغرات بأمر مهم, و هذا الأمر المهم هو دعم نفسك بالعِلم.
- ما هو أخطر شيء عليك ؟
 اعلم أنَّ أخطر شيء عليك هو أن تكون جاهل وصاحب هوى؛ لأن الهوى يُحرّك الإنسان, فلمّا يكون الإنسان جاهل وصاحِب هوى يُركّب الخطأ تركيباً يجعله هُدى ورَشاد, فيعيش طوال حياته يحسب نفسه أنه يُحسن صنعاً و هو في الحقيقة بسبب جهله وهواه الذي يُعمي ويُصِم إذا تمكّن من القلب لا يرى حقاً إلا ما وافق هواه, ولا يرى باطلاً إلا ما يُنكره هواه.
- هل العلم وحده يكفي أم لابد من المجاهدة ؟
فالعِلم يجب أن يأتي معه مجاهدة الهوى, لأن الإنسان يمكن أن يستخدم العِلم في تأييد هواه.
معنى ذلك أن النقطة الأخيرة في الكلام عن إصلاح القلب هو ملاحظة الثغور و معرفة النقطة التي نعيشها , و ملاحظة القلب و الاهتمام بالنقاط الأربعة التي هي في أواخر آل عمران.
- هل هناك مثالا على ذلك ؟
فالقلب كالمرآة و الهوى كالصدأ فيها, فإذا خَلُصَت المِرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي, لكن إذا صدأت لا تنطبع صورة الحقائق؛ إنما يُصبح الأمر تخرُّصاً و ظنوناً. اتباع الهوى يُطمِس نور العقل ويصبح الإنسان يرتب الأحداث و الأوضاع على ما يهوى. فيهلَك ويخرج من المعركة خاسراً, ويُصبح أحد جنود إبليس وهو لا يشعر.
الخلاصةالمقصود أن صلاح قلوبنا مبني على ملاحظتنا قلوبنا وخوفنا من هوانا.
طرق علاج القلب المريض :
1- الاستعانة بالله على صلاح القلب
2- مراعاة القلب حال مرضه
3- تَتَبُّع الحالات التي يَنْشَط فيها هذا القلب المريض (ملاحظةالقلب وتشخيص مرضه)
4- الحرص على جنود القلب (جند يُرى بالأبصار، وجند يُرى بالبصائر)
 ملاحظة المعركة التي لابد أن تنتصر فيها التقوى . 
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحفظنا من مُضِلَّات الفِتَن ما ظَهَر منها و ما بَطَن, و أن يكفينا شَرّ نفسنا و شَرّ الشيطان و شِركه و أن نقترف على أنفسنا سوء أو نجرّه إلى مُسلِم.
- كيف نجاهد أنفسنا ؟ 
غدا نكمل بإذن الله تعالى .

قلبك قبل رمضان 12
- ما هي الآية التي نعلمنا مجاهدة النفس ؟
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُ‌وا وَصَابِرُ‌وا وَرَ‌ابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
1. فكان أول الأمر اصبروا.
2. و صابروا: بمعنى قاوموا العدو و نازلوه.
3. و رابطوا : و هذا معناه أن هناك ثغرات علينا أن نلزمها و نحرسها.
4. و اتقوا الله : و التقوى جماع هذه الثلاثة وعامودها, فالتقي هو الذي صبر وصابر ورابط.
ونحن لازلنا نؤكِّد على هذا المعنى بأنّ الله عزّ وجلّ لما سلّط هذا العدوّ على المؤمن, لم يُسلِّطه إلا لأنّه يحبّ من المؤمن أن يجاهد,
فالجهاد أحبّ شيء إلى الله, أحبّ الأعمال إليه, والمجاهدين أرفع الخلق عند الله وأقربهم إلى الله وسيلة، فهذه الحرب دائرة بين القلب وبين العدوّ,
- ما الذي وضع في القلب ؟
القلب هو محلّ معرفة الله ومحبة الله وعبودية الله, ومحلّ الإخلاص والتوكّل والإنابة، فالله عزّ وجلّ ولَّى القلب هذه الحرب, وأيَّد القلب بجند, فهؤلاء الجند عليك بمعرفتهم للانتفاع منهم.
- ماذا قال ابن القيم عن هذه المجاهدة ؟
ذكر ابن القيم في (الجواب الكافي) كلام جميل حول هؤلاء الجند, ننقله كما هو, يقول:
" ثُمَّ أَمَدَّهُ سُبْحَانَهُ بِجُنْدٍ آخَرَ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ كِتَابَهُ، فَازْدَادَ قُوَّةً إِلَى قُوتِهِ، وَمَدَدًا إِلَى مَدَدِهِ، وَعُدَّةً إِلَى عُدَّتِهِ، وَأَمَدَّهُ مَعَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَزِيرًا لَهُ وَمُدَبِّرًا، وَبِالْمَعْرِفَةِ مُشِيرَةً عَلَيْهِ نَاصِحَةً لَهُ، وَبِالْإِيمَانِ مُثَبِّتًا لَهُوَمُؤَيِّدًا وَنَاصِرًا، وَبِالْيَقِينِ كَاشِفًا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يُعَايِنُ مَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ عَلَى جِهَادِ أَعْدَائِهِ، فَالْعَقْلُ يُدَبِّرُ أَمْرَ جَيْشِهِ، وَالْمَعْرِفَةُ تَصْنَعُ لَهُ أُمُورَ الْحَرْبِ وَأَسْبَابَهَا وَمَوَاضِعَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا، وَالْإِيمَانُ يُثَبِّتُهُ وَيُقَوِّيهِ وَيُصَبِّرُهُ، وَالْيَقِينُ يُقْدِمُ بِهِ وَيَحْمِلُ بِهِ الْحَمَلَاتِ الصَّادِقَةَ".
 النبي: نموذج يقتفى اثره .
 الكتاب: منهج يستقي منه.
 العقل: ينظر ويتدبّر ويفكّر.
 المعرفة: التي ستأتيه من الرسول والكتاب, تشير إليه وتنصحه.
 الإيمان: مما يثبت الإنسان و يؤيد.
 اليقين: وهو الإيمان القويّ تأتي منه لحظات تكشف الحقائق فكأنه يعاين ما وعد الله، عندما يكون عنده يقين فتهجم عليه الشهوات وتأتيه الأمراض يهجم على عدوه وعلى مرضه فيمنعه.
ابن القيم صوّر المسألة تصويرًا حسِّيًا؛ أن هذا القلب يُهاجَم من قبل العدو, والله عزّ وجلّ مدّ القلب بجنود (الرسول, والوحي الذي نزل في الكتاب, والعقل, والمعرفة, والإيمان, واليقين).
ثم يقول :"ثُمَّ أَمَدَّ سُبْحَانَهُ الْقَائِمَ بِهَذِهِ الْحَرْبِ بِالْقُوَى الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَجَعَلَ الْعَيْنَ طَلِيعَتَهُ، وَالْأُذُنَ صَاحِبَ خَبَرِهِ، وَاللِّسَانَ تُرْجُمَانَهُ، وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَعْوَانَهُ، وَأَقَامَ مَلَائِكَتَهُ وَحَمَلَةَ عَرْشِهِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَيَسْأَلُونَ لَهُ أَنْ يَقِيَهُ السَّيِّئَاتِ وَيُدْخِلَهُ الْجَنَّاتِ، وَتَوَلَّى سُبْحَانَهُ الدَّفْعَ
وَالدِّفَاعَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ حِزْبِي، وَحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الْمُجَادَلَةِ:22].
 فهذا سمعه وبصره ويديه ورجليه كلها من جنوده إن استخدمها كما ينبغي.
وَأَقَامَ مَلَائِكَتَهُ وَحَمَلَةَ عَرْشِهِ, هذه كلها أعوان له لكي يَسلم -سبحان الله- حتى أن الملائكة تستغفر له وتسأل الله أن يقيه السيئات.
إذا تبيّن هذا؛ عرفنا وأكدنا على معنا أننا نجاهد، وأننا حقاً في معركة وأن قلوبنا يهجم عليها العدو فيُقاتلها وتقاتله، والقلب عدوّه آفاته, هو يملك جند وهناك آفات تُصيبه, ورأس آفاته عدوه الشيطان.
*سيتبين لنا هذا أكثر في النظر إلى كل ثغرة ماذا يفعل بها

قلبك قبل رمضان 13
- كيف يصف ابن القيم حال القلب في معركته مع الشيطان ؟
قال ابن القيم في الجواب الكافي :
فَانْظُرِ الْآنَ فِيكَ إِلَى الْتِقَاءِ الْجَيْشَيْنِ، وَاصْطِدَامِ الْعَسْكَرَيْنِ وَكَيْفَ تُدَالُ مَرَّةً – أي تنتصر -، وَيُدَالُ عَلَيْكَ أُخْرَى ؟ أَقْبَلَ مَلِكُ الْكَفَرَةِ بِجُنُودِهِ وَعَسَاكِرِهِ – أي الشيطان -، فَوَجَدَ الْقَلْبَ فِي حِصْنِهِ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، أَمْرُهُ نَافِذٌ فِي أَعْوَانِهِ، وَجُنْدُهُ قَدْ حَفُّوا بِهِ، يُقَاتِلُونَ عَنْهُ وَيُدَافِعُونَ عَنْ حَوْزَتِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْهُجُومُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمُخَامَرَةِ بَعْضِ أُمَرَائِهِ وَجُنْدِهِ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْ أَخَصِّ الْجُنْدِ بِهِ وَأَقْرَبِهِمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً، فَقِيلَ لَهُ : هِيَ النَّفْسُ، فَقَالَ لِأَعْوَانِهِ : ادْخُلُوا عَلَيْهَا مِنْ مُرَادِهَا، وَانْظُرُوا مَوَاقِعَ مَحَبَّتِهَا وَمَا هُوَ مَحْبُوبُهَا فَعِدُوهَا بِهِ وَمَنُّوهَا إِيَّاهُ وَانْقُشُوا صُورَةَ الْمَحْبُوبِ فِيهَا فِي يَقَظَتِهَا وَمَنَامِهَا، فَإِذَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ وَسَكَنَتْ عِنْدَهُ فَاطْرَحُوا عَلَيْهَا كَلَالِيبَ الشَّهْوَةِ وَخَطَاطِيفَهَا، ثُمَّ جُرُّوهَا بِهَا إِلَيْكُمْ، فَإِذَا خَامَرَتْ عَلَى الْقَلْبِ وَصَارَتْ مَعَكُمْ عَلَيْهِ مَلَكْتُمْ ثَغْرَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَاللِّسَانِ وَالْفَمِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَرَابِطُوا عَلَى هَذَا الثُّغُورِ كُلَّ الْمُرَابَطَةِ، فَمَتَى دَخَلْتُمْ مِنْهَا إِلَى الْقَلْبِ فَهُوَ قَتِيلٌ أَوْ أَسِيرٌ، أَوْ جَرِيحٌ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحَاتِ، وَلَا تُخْلُوا هَذِهِ الثُّغُورَ، وَلَا تُمَكِّنُوا سَرِيَّةً تَدْخُلُ فِيهَا إِلَى الْقَلْبِ فَتُخْرِجَكُمْ مِنْهَا، وَإِنْ غُلِبْتُمْ فَاجْتَهِدُوا فِي إِضْعَافِ السَّرِيَّةِ وَوَهَنِهَا، حَتَّى لَا تَصِلَ إِلَى الْقَلْبِ، فَإِنْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ وَصَلَتْ ضَعِيفَةً لَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا".
- ما معنى مثال ابن القيم ؟
الآن بعد ما يستولي الشيطان على النفس تُصبح هناك معركة بين النفس من جهة –التي استولى عليها العدو الشيطان- و بين القلب من جهة أخرى. والنفس تستولي على الثغور (العين و الأذن..).
- ماذا يفعل القلب السليم ؟
تبدأ المعركة مع الجوارح الآن، فالقلب الذي به السلامة ماذا يفعل؟ يبذل جهوده مع كل جارحة من الجوارح أن يجعلها على سالمة.
- من أين يدخل الشيطان على العبد ؟
الشيطان يدخل على النفس، - الشيطان ركب النفس
فاستفاد من صفات النفس و نقصها و طمعها و من حبها للدنيا فأصبح يهاجم الثغرات.
- هل هناك مثالا لثغرة العين ؟
ثَغْرُ الْعَيْنِ 
- "فَإِذَا اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَى هَذِهِ الثُّغُورِ , ماذا يفعل الشيطان بالعين ؟
 فَامْنَعُوا ثَغْرَ الْعَيْنِ أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ اعْتِبَارًا، بَلِ اجْعَلُوا نَظَرَهُ تَفَرُّجًا وَاسْتِحْسَانًا وَتَلَهِّيًا، فَإِنِ اسْتَرَقَ نَظَرُهُ عِبْرَةً فَأَفْسِدُوهَا عَلَيْهِبِنَظَرِ الْغَفْلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَالشَّهْوَةِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ وَأَعْلَقُ بِنَفْسِهِ وَأَخَفُّ عَلَيْهِ، وَدُونَكُمْ ثَغْرَ الْعَيْنِ، فَإِنَّ مِنْهُ تَنَالُونَ بُغْيَتَكُمْ، فَإِنِّي مَا أَفْسَدْتُ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِثْلِ النَّظَرِ، فَإِنِّي أَبْذُرُ بِهِ فِي الْقَلْبِ بَذْرَ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ أَسْقِيهِ بِمَاءِ الْأُمْنِيَّةِ، ثُمَّ لَا أَزَالُ أَعِدُهُ وَأُمَنِّيهِ حَتَّى أُقَوِّيَ عَزِيمَتَهُ وَأَقُودَهُ بِزِمَامِ الشَّهْوَةِ إِلَى الِانْخِلَاعِ مِنَ الْعِصْمَةِ، فَلَا تُهْمِلُوا أَمْرَ هَذَا الثَّغْرِ وَأَفْسِدُوهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِكُمْ، وَهَوِّنُوا فكانت نظرة عبرة, أنتم ماذا تفعلون؟

قلبك قبل رمضان 14
ما زلنا نتكلم عن الثغرات التي يدخل الشيطان منها فيفسد القلب , ويقسيه , ويبعده عن خالقه .
وهناك ثغرة الأذن :
1-الشيطان يصعب على النفس فهم كتاب الله , أو التفكر في مخلوقاته .
2- ويصعب عليه الفهم , فيقول له :كيف تتجرأ وتقول أنك تريد أن تفهم كلام الله؟ يعني إذا أراد ان يتدبر كلام الله وكلام رسوله كوّن حائل بينه وبين الفهم والتدبر والتفكر, وذلك بإدخال ضده عليه أو تعظيم الأمر و أنه لا سبيل لك.
3-كذلك يوسوس له فيقول له"أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وصفه فضول, فلا تتدخل فيما لا يعنيك, و أنك حين تأمره كأنك تتبع عثرات الناس". وهذا كله مخالف لسنة النبي عليه الصلاة والسلام . قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}
المقصود أن الشيطان قد لزم ثغرة الأذن أن يُدخل فيها ما يضر العبد و لا ينفعه, و يمنع أن يدخل إليها ما ينفع, و إذا دخل بغير اختياره أفسده عليه.
{فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}[ سُورَةُ الْأَعْرَافِ 16 - 17 ] .
4-الشيطان يمنع (من ذكر الله تعالى واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع).
- ماذا تفعل النفس الآمارة بالسوء ؟
النفس الأمارة بالسوء, هذه النفس أعظم عدو, ماذا يفعل الشيطان؟ يركبها ثم يحارب القلب بها, فكأنَّ القلب الذي هو ملك الأعضاء, ماذا يحصل له؟ تأتي النفس الأمارة بالسوء وتعزله عن أن يحكُم بما فيه من صفاء وإيمان, وتنطلق هي في الجوارح. والشيطان يصب لها وهي تسير. و هناك الغفلة والشهوات التي تُزيَّن, فهذه كلها أمور يُصبح القلب بسببها مريض و لا يستطيع الحركة ويموت, وتصبح النفس الأمارة بالسوء هي المسيطرة .
- هل هناك مثالا للقلب المريض ؟
القلب المريض! و أتاه الغضب مثلاً – الغضب هذا أحد الشهوات- وينطفيء بالماء والصلاة والذكر والتكبير، فلما يكون القلب مريض و يأتي النفس الغضب, لا يستطيع القلب أن يُرشد الجوارح فتقوم فتستعيذ و تتوضأ.
عن سليمان بن صرد قال:{كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجلان يستبّان ، فأحدهما احمرّ وجهه واتفخت أوداجه ( عروق من العنق ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد ، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد} رواه البخاري، الفتح 6/337 ومسلم/2610 .
وقال صلى الله عليه وسلم : إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله ، سكن غضبه صحيح الجامع الصغير رقم 695 .

قلبك قبل رمضان 15
- ما هو مقصود الشيطان من ثغرة الأذن ؟
مقصود الشيطان لزوم ثغرة الأذن أن يُدخل فيها ما يضر العبد و لا ينفعه, و يمنع أن يدخل إليها ما ينفع, و إذا دخل بغير اختياره أفسده عليه.
- كيف وصف ابن القيم ثغرة اللسان ؟
ثُمَّ يَقُولُ : قُومُوا عَلَى ثَغْرِ اللِّسَانِ، فَإِنَّهُ الثَّغْرُ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ قُبَالَةُ الْمَلِكِ – أي القلب -، فَأَجْرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ، وَامْنَعُوهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَنْفَعُهُ : مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِغْفَارِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، وَنَصِيحَةِ عِبَادِهِ، وَالتَّكَلُّمِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ،
- هناك أمران عظيمان يحرص عليهما الشيطان , ما هما ؟
وَيَكُونُ لَكُمْ فِي هَذَا الثَّغْرِ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ، لَا تُبَالُونَ بِأَيِّهِمَا ظَفِرْتُمْ :
أَحَدُهُمَا: التَّكَلُّمُ بِالْبَاطِلِ، فَإِنَّمَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبَاطِلِ أَخٌ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وَمِنْ أَكْبَرِ جُنْدِكِمْ وَأَعْوَانِكِمْ .
الثَّانِي: السُّكُوتُ عَنِ الْحَقِّ، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنِ الْحَقِّ أَخٌ لَكُمْ أَخْرَسُ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَخٌ نَاطِقٌ، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَخُ الثَّانِي أَنْفَعَ أَخَوَيْكُمْ لَكُمْ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ النَّاصِحِ : الْمُتَكَلِّمُ بِالْبَاطِلِ شَيْطَانٌ نَاطِقٌ، - وَالسَّاكِتُ عَنِ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ ؟
فَالرِّبَاطَ الرِّبَاطَ عَلَى هَذَا الثَّغْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ أَوْ يُمْسِكَ عَنْ بَاطِلٍ، وَزَيِّنُوا لَهُ التَّكَلُّمَ بِالْبَاطِلِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَخَوِّفُوهُ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِّ بِكُلِّ طَرِيقٍ .
- ما وصية الشيطان لأعوانه ؟
وَأُوصِيكُمْ بِوَصِيَّةٍ فَاحْفَظُوهَا: لِيَنْطِقْ أَحَدُكُمْ عَلَى لِسَانِ أَخِيهِ مِنَ الْإِنْسِ بِالْكَلِمَةِ، وَيَكُونُ الْآخَرُ عَلَى لِسَانِ السَّامِعِ فَيَنْطِقُ بِاسْتِحْسَانِهَا وَتَعْظِيمِهَا وَالتَّعَجُّبِ مِنْهَا وَيَطْلُبُ مِنْ أَخِيهِ إِعَادَتَهَا، وَكُونُوا أَعْوَانًا عَلَى الْإِنْسِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَادْخُلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ،
- هل أقسم الشيطان لربنا من أجل أن يغوي بني آدم ؟
أَمَا سَمِعْتُمْ قَسَمِي الَّذِي أَقْسَمْتُ بِهِ لِرَبِّهِمْ حَيْثُ قُلْتُ:{فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}فَكَهَذَا فَاقْعُدُوا لَهُمْ بِكُلِّ طُرُقِ الْخَيْرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَاقْعُدُوا لَهُ عَلَى طَرِيقِ الصَّدَقَةِ، وَقُولُوا لَهُ فِي نَفْسِهِ: أَتُخْرِجُ الْمَالَ فَتَبْقَى مِثْلَ هَذَا السَّائِلِ وَتَصِيرَ بِمَنْزِلَتِهِ أَنْتَ وَهُوَ سَوَاءٌ ؟ أَوَمَا سَمِعْتُمْ مَا أَلْقَيْتُ عَلَى لِسَانِ رَجُلٍ سَأَلَهُ آخَرُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، قَالَ : هِيَ أَمْوَالُنَا إِذَا أَعْطَيْنَاكُمُوهَا صِرْنَا مِثْلَكُمْ .
وَاقْعُدُوا لَهُ بِطَرِيقِ الْحَجِّ، فَقُولُوا: طَرِيقُهُ مَخُوفَةٌ مُشِقَّةٌ، يَتَعَرَّضُ سَالِكُهَا لِتَلَفِ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَهَكَذَا فَاقْعُدُوا لَهُ عَلَى سَائِرِ طُرُقٍ الْخَيْرِ بِالتَّنْفِيرِ عَنْهَا وَذِكْرِ صُعُوبَتِهَا وَآفَاتِهَا، ثُمَّ اقْعُدُوا لَهُمْ عَلَى طُرُقِ الْمَعَاصِي فَحَسِّنُوهَا فِي أَعْيُنِ بَنِي آدَمَ، وَزَيِّنُوهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلُوا أَكْثَرَ أَعْوَانِكِمْ عَلَى ذَلِكَ النِّسَاءَ، فَمِنْ أَبْوَابِهِنَّ فَادْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَنِعْمَ الْعَوْنُ هُنَّ لَكُمْ .
ثُمَّ الْزَمُوا ثَغْرَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَامْنَعُوهَا أَنْ تَبْطِشَ بِمَا يَضُرُّكُمْ وَتَمْشِي فِيهِ .
أنتهى كلامه رحمه الله . الجواب الكافي .

قلبك قبل رمضان 16
- هل الجوارح تنقلب على صاحبها ؟
يمكن أن تنقلب على الإنسان, فبدلاً من أن يكون السمع و البصر و اليد و القدم من الجنود التي تزيد القلب قوة بما يحصّله الإنسان من أسباب زيادة الإيمان, بسبب لسانه الذي يقرأ القرآن و أذنه التي تعيه و قلبه الذي يتفكَّر فيه و يده التي تُنفذ ما أمر به في القرآن و قدمه التي تسعى في طاعة الرحمن, بدلاً من أن تكون هذه الثغرات للقلب أصبحت عليه ومع الشيطان! والشيطان قد ركب هي النفس الأمارة بالسوء.
- متى تنقلب الجوارح , ويتحكم الشيطان في النفس ؟
1. عندما يتحكم الهوى الذي وصفه الله في كتابه بوصوفات تدور كلها تدل على الذَّم, والنفس المستقيمة هي"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى"
- لماذا لا نجد نفوسنا قوية في الرد على الشر ؟
 نفوسنا ليست قوية في الرد على الشر, تأتي لحظة الشهوة ونستسلم, تأتي لحظة التي تأمرنا النفس الأمارة بالسوء أن ننظر إلى المحرم فننظر, هناك معركة و صوت ضعيف يقول لا تنظر و صوت أقوى يقول انظر و إنما هي نظرة و لن تخسر شيئاً, نريد أن نعرف الحل من أجل أن لا نخسر المعركة!!
- ما معنى الهوى ؟
الهوى عبارة عن دافع داخل الإنسان يُحرِّكه إلى ما يُحب. وفيه غالباً ميل الطبع إلى أمور خُلقت في الإنسان لضرورة بقائه, فهذه الأمور أصلاً خُلقت لضرورة البقاء, لكن الزيادة في الهوى تُفسده
- هل هناك أمثلة من الواقع ؟
 *لولا ميل الإنسان إلى الطعام ما أكل, فلا يقوم بدنه.
 *و لولا ميله للشراب ما شرب.
 *و لولا النكاح ما استمر نسل الخلق.
 *و لو لم يكن عنده شيء من الغضب, ما دافع عن نفسه مما يؤذيه.
فإذن نحن نقصد بالهوى الذي يزيد فيُفسد.
-  لماذا ركب الله فينا الهوى مادام مطلوب منا أن نجاهد أنفسنا؟
أصل الهوى نافع لك, تأتي من ورائه مصلحة, لكن الزيادة و تجاوز الحد هو الذي يأتي بالفساد.
الإنسان إذا زاد و اتبع هواه, سيكون أثر ذلك أنه يُعمى ولا يرى الحق, يتحول فيرى القبيح حسن و الحسن قبيح, يلتبس عليه الحق بالباطل فلا يتذكر و لا يتفكر و لا يتعظ إنما يأتي الهوى فيُضعف نور الإيمان في القلب.
- أذكر مثالا من الواقع !!!!!!
فلما يأتي أحد يقول: لو استسلمت لنفسك و مارست كبرك كان هذا سببا لذُلّك, والله عز وجل يجعلك في موقف لابد أن تُذل فيه بسبب ممارستك الكِبر في موقف من المواقف.
وهذا يجعلك أول ما يطرأ على قلبك لحظة الكِبر أو استحسان النفس أو العُجب تطردها و تجاهدها, لأن هذه لحظة يجب أن يعقبها ندم. مشاعر النشوة التي تأتي عند الإنسان في أنَّ أحدا يراه و يرى عمله - يحصل فيها الرياء – هذه لذة لو فكر الإنسان فيها جيداً سيرى مصيبة عظيمةفإن هذا العمل سيُحبط و لن يكون له أجر بليُصبح وِزراً رغم أنه عمِل عمَل ظاهره أنه موافق للشريعة. فإذن العاقل لا يُؤثر هواه, لا يؤثر اللذة الحاضرة على العاقبة التي تسبب له الندم

قلبك قبل رمضان 17
- ما أثر زيادة الهوى , وتقدم على العقل ؟
الإنسان إذا زاد و اتبع هواه, سيكون أثر ذلك أنه يُعمى ولا يرى الحق, يتحول فيرى القبيح حسن و الحسن قبيح, و يتأذى من كل حُسن و يقبل كل قبيح, يلتبس عليه الحق بالباطل فلا يتذكر و لا يتفكر و لا يتعظ إنما يأتي الهوى فيُضعف نور الإيمان في القلب.
" أريت من أتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله "
- كيف يصف ابن الجوزي تقديم الهوى على العقل ؟
يقول ابن الجوزي : اعلم أن مُطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة, و يحث على نيل الشهوات عاجلاً و إن كانت سبباً للآلام و الأذى في العاجل و منع لذات في الآجل - و مع ذلك النفس تتبع هواها
قال : فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تُعقب ألمًا, و شهوة تورث ندماً, و كفى بهذا القدر مدحاً للعقل و ذماً للهوى،من لديه عقل لا يأخذ شهوة يلحقها ألم و تورث ندم .
- كيف يمرن العاقل نفسه على دفع الهوى ؟
"وينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب"
شرح العبارة السايقة 
يعني فيه هوى أنت تستسلم له و تفعله و هو مأمون العواقب , يعني ما تشعر أنه يأتي بمهالك, ما تشعر أنه سيصيب منك مقتل, مأمون العواقب, تأكل أكثر, تنام أكثر, فوقت ما تشتهي تقول أنا أشتهي أن أكل كذا, فهذا مأمون العواقب , ماهي مصيبة كبيرة.
- ماذا أفعل بالتحديد ؟
 يجب أن تُمرِّن نفسك أنه ليس كل ما أمرتك ائتمرت.
مثال من الواقع :
 تفتح عينيك في الساعة التاسعة صباحا من يوم إجازة, فتقول لك نفسك (نم قليلا, خذ غفوة) فتطيع, و أنت ترى أنه ليس شهوة عظيمة التي فعلتها, فنقول أن هذا الشيء المأمون العواقب معناه أنك تعايش نفسك بأسلوب تأمر و أنت تقول سمعاً و طاعة! كل ما أمرتك قلت لها سمعاً و طاعة فأفسدتك ولابد.
 ثم يبين حقيقة لابد من فهمها, فيقول:" و ليعلم العاقل أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها و مع ذلك لا يستطيعون تركها " مثل الإدمان فأنت عندما تترك نفسك و لا تمسكها من البداية, ستجد نفسك قد أدمنت.

قلبك قبل رمضان 18
- ما أثر إدمان التلفاز على الإنسان ؟
الذي يدمن النظر للتلفاز, ممكن أن يأتي له شيء ليس له قيمة لكنه يفتح عينيه و أذنيه لأنه أصبح مدمن لا يستطيع أن يقضي الوقت إلا بهذه الطريقة.
وكذلك مدمن أسواق :
الذي أدمن أن يذهب للأسواق فحتى لو ليس لديه حاجة, أو حتى لو كان يشعر بالتعب من الدوران في الأسواق يشعر أن هذه حاجة لا يمكنه أـن يعيش إلا بها.
- وهل مدمن الجوال يكون حاله مثل ما سبق ؟
 كذلك الذين يمسكون جوالاتهم, و جوالاتهم فيها مصائب و فيها أشياء تحزنهم و أشياء تقهرهم من زميلاتهم , ليس لديها قدرة أن تغلق جهازها, أو تترك جهازها و تخرج من البيت, ليس عندها قدرة أن تحذف أي برنامج تواصل يؤذيها, تشعر بأنها رهينة لا تستطيع. و هذا من سيطرة الهوى, حتى أن الإنسان يصبح يرى هذه الأشياء من العيش الاضطراري لا يستطيع أن يعيش من دونه.
كذلك مدمن مخالطة الناس بلا فائدة :
 مدمنة على أن تكلم زميلاتها أو زيارة جاراتها, تكون مثل الآلة تتصرف, تذهب لهم يؤذوها و تؤذيهم, يملوا منها و تمل منهم ثم يأتي اليوم الثاني تفعل نفس الفعل كالمدمن!! و الإنسان بذلك يلقي نفسه في المهالك.
- ماذا يعلق ابن الجوزي على نقطة الهوى ؟
يقول:"ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته لرأى انه قد شقي من حيث قدّر السعادة و اغتم من حيث ظن الفرح, و ألِم من حيث أراد اللذة, فهو كالحيوان المخدوع بحب الفخ لا هو نال ما خُدع به و لا أطاق التخلص مما وقع فيه"
- هناك طريقين لا ثالث لهما , ما هما ؟
إما هدى الله,أو الهوى الذي يملك صاحبه ويبعده عن خالقه .
فلابد أن تختار أن تكون مع الهدى الذي من الله, أو مع الهوى الذي ابتلي به الخلق. والله يقول {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ} لا تتبع الهوى فأكيد أن النتيجة هي الضلال عن سبيل الله. و لهذا قال علي رضي الله عنه :" ألا إنَّ الصَّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, فإذا انقطع الرأس بان الجسد, ثم رفع صوته و قال : ألا لا إيمان لمن لا صبر له".
 ما العلاقة ؟! لأن الذي ليس له صبر ما يطيق أن يتوقف عن عاداته و شهواته, ما يطيق أن يؤدب نفسه ويُسكِّتها. قال تعالى:{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَ‌بِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}, فاتباع الهوى مما يضر بعبادة الله.
 و إن شاءالله يكون نقاشنا غدا حول أثر الهوى على القلب و كيف يفسده.

قلبك قبل رمضان 19 
- ما أعظم دواء لأمراض القلوب ؟
داؤها الرئيس الهوى.
فإن الهوى من أعظم الشرور التي تتمكّن في النفوس والتي نستعيذ بالله منها,
فنحن نقول: نعوذ بك من شرور أنفسنا, وأعظم الشرور الهوى . لماذا؟ لأن أضرار الهوى عظيمة لو تمكن الهوى من القلب.
- ماذا يفعل الهوى في صاحبه ؟
الهوى يهوي بصاحبه في لُجج الفتن, فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه, ولا يرى باطلاً إلا ما يُنكره هواه! وهذا مُستفاد من حديث حذيفة الذي قال فيه: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يقولُ: ((تُعرَضُ الفتنُ علَى القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ سَوداءُ وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ بَيضاءُ حتَّى تصيرَ علَى قلبَينِ علَى أبيضَ مِثلِ الصَّفا فلا تضرُّهُ فتنةٌ ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ والآخرُ أسوَدُ مُربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يعرِفُ معروفًا ولا ينكرُ مُنكرًا إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواه)) . صحيح مسلم - كِتَاب الْإِيمَانِ - باب بَيَانِ أَنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ - 144
فهذا دليل على أن غلبة الهوى تجعل الأمور تتقلب على صاحبها, فلما يسودّ القلب ويستحكم الهوى يصبح لا شيء يضبط الإنسان إلا هواه، فلا يعرف معروف ولا ينكر منكر إلا ما أشرب من هواه!
- ماذا يفعل الهوى لنور القلب ؟
الهوى يُعمي ويُصمّ, فالناس لما يصيبهم الهوى لا يرون ولا يسمعون! بمعنى أنّ الهوى يطمس نور القلب ويعمي بصره, والله يقول:{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} فإذا نظر العبد إلى من يجتمع معه ويقتدي به أو يعامله, سيكون تقييمه للناس من حوله على حسب متابعتهم لهواهم, يعني
- هل الحاكم عليهم الهوى؟ أم الحاكم لهم الوحي؟
فإذا كان الحاكم هو الهوى لابد أن يكون أمره فُرطاً, أي لابد أن يكون أمره تضييع! بمعنى : أن رُشد هذا الإنسان وفلاحه ضائع قد فرّط فيه. هذا الإنسان مُسرِف, هذا الإنسان هالِك. 
- كيف تُقيِّم نفسك أو تُقيِّم من حولك ؟
- إن وجدت نفسك أو من حولك يحكمهم هواهم, ولاتجد نصوصاً أو آيات, ولا تجد تقوى وخوف من الله فاحكم على ذلك الشأن بأنه إلى تضييع.
- وإذا وجدت القوم ممن غلب عليهم ذكر الله واتباع السنة وليس صاحب انفراط في هواه بل هو حازم في أمره فهذا بإذن الله ممن يساعدك على حفظ دينك.

قلبك قبل رمضان 20
- هل هناك مثال في كتاب الله على من ضل بسبب اتباع الهوى؟
مضرب الله عز وجل مثل في سورة الأعراف:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُ‌كْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُ‌ونَ} إذن هؤلاء قوم فاسقين, كانوا في الطريق المستقيم ثم بسبب اتباع الهوى ضَلُّوا.
-كيف نقسم أصحاب الهوى ؟
1. إما أصحاب يُضلوك بسبب متابعتهم للهوى.
2. و إما علماء أعطاهم الله الآيات ولكنهم لم عملوا بها وإنما ضلوا بسبب متابعتهم للهوى.
- ماذا نفهم من المثل ؟
هذا المثل المضروب في سورة الأعراف, مَثَل عالِم السوء الذي يعمل بخلاف علمه, فهو علِم ثم فارق الإيمان ثم الشيطان أدركه ولحقه. وترى أنه غوى بعد الرشد, وأنه بسبب هواه لم يرفعه الله بالعلم, وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى، وهذا لم يكن مجرد خاطر أو حديث نفس هذا كان أمر ثابت في نفسه, أخلد إلى الأرض مال إليها.
- ما أعظم خطر على العبد ؟
والخطر كل الخطر في أن يجعل العبد إمامه الذي يقتدي به هو هواه (واتّبع هواه)
 فشُبه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات، وشُبه لهثه للدنيا كلهث هذا الكلب.
إذن أنت في خطر عظيم من جهة الهوى, نفسك فيها هوى وقد يكون لك صحبة أيضاً أصحاب هوى, وتلقى من أهل العلم من هم أصحاب هوى!.
- ماذا سبب ذلك ؟
 يسبب في نهاية الأمر إلى سُوء الخاتمة وانسلاخ الدين؛ لأن هذا صاحب الهوى إذا سئل في قبره: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهو طوال حياته تابع هواه, أكيد سيكون ممن يقول: هاه هاه لا أدري, فيقال له: لا دريت ولا تليت! لا دريت عن الحقّ ولا تليت عن العلم، وهذا من المؤكد سببه الهوى أي لا يدري ولا يتلو بسبب الهوى.
فالهوى يعمي الإنسان ويصمّه, والهوى يقلب على الإنسان الحقائق, والهوى يشغل القلب فلا يستطيع أن يتعلّم.

قلبك قبل رمضان 21
- لماذا يتمكن الهوى؟
قال تعالى:{أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أعظم أسباب تمكن الهوى في القلب هو التعلّق بالدنيا,
فمن اغترَّ بالدنيا وبذل جهده للعمل لها، غفل عن الآخرة، ونال من الذلّ والخسارة ما يستحقّه،
الوصف الدقيق للعبد{وَرَ‌ضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا}.
- هل هناك دليل آخر يحذر من الإغترار بالدنيا ؟
جاء في صحيح البخاري, في كتاب الرقاق:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ)) ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟
فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: -يعني الصحابة- يُوحَى إِلَيْهِ وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ الطَّيْرَ ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا أَوَخَيْرٌ هُوَ - ثَلاَثًا - إِنَّ الْخَيْرَ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِالْخَيْرِ –ثم ضرب مثلاً ليقرب علاقتنا بالدنيا العلاقة الصحيحة- وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ -الربيع: جدول الماء الصغير- مَا يَقْتُلُ حَبَطًا ، أَوْ يُلِمُّ –يعني هذا الجدول ينمو حوله زرع, تأتي الماشية تأكل منه, فالذي ينبته الربيع تقتلها الماشية,: أي يقتلها تُخمة.
أو يلمّ: أي يقترب من أن يقتلها إلا آكلة الخضر، الخضر : نوع من أنواع البقول,
من البقول, إنما قريب أن يكون رديء- كُلَّمَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لاَ يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) . صحيح البخاري" (كتاب الجهاد و السير – باب فضل النفقة في سبيل الله) ووردت رواية أخرى في (كتاب الرقاق – باب مايحذر من زهرة الدنيا و التنافس فيها)
- كم مثلا في هذا الحديث ؟
هذا الحديث فيه مثلين:
1. مثل للمُفْرِط في جمع الدنيا.
2. و مثل للمُقتصد في أخذها.
فلما قال النبي صلى الله عليه و سلم:((وَإِنَّهُ كُلُّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ)) فهذا مَثَل للمُفرِط في أخذ الدنيا, و أن الربيع هذا يُنبت بقولاً مستحسنة, فتأتي الدابة تستكثر منها, ثم تنتفخ بطنها ولا تستطيع أن تحتمل فتنشق
وقد قيل للشافعي: مالَك تُدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال:"لأذكر أني مسافر"–يقصد في الدنيا-.
خلاصة ما سبق :
أن النفس التي لها هوى, الشيطان يفحص هوى النفس ويختبره ثم يركبه ويستمر فيه, فلذلك علينا أن نلاحظ أنفسنا من جهة، وعلينا أن نعرف عداوة الشيطان من جهة.
فلما سمعنا وصف الشيطان أنه وسواس خنّاس، فهمنا أنه يخنس بمعنى يتستر ويختفي, وفهمنا أنه يظهر؛ لأن الخَنس من الظهور والاختفاء, فمتى ذُكر الله خَنس ومتى غُفل عنه عاد.

وعرفنا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. معناه : أنّ له من الدخول على النفس سُبل فملاحظة هذه السُّبل من لوازم نجاة العبد من الهوى.

قلبك قبل رمضان 22
- هل هناك أدلة تبين قرب الشيطان من بني آدم ؟
1- حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ))صحيح البخاري 3295 . خيشومه: فتحتي الأنف؛ هذا مكان الشيطان. يأتي عند الخيشوم ويبات.
2- حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ يحبُّ العُطاسَ ويكرهُ التثاؤبَ ، فإذا عطس أحدُكم وحمِدَ اللهَ ، كان حقًّا على كلِّ مسلمٍ سمِعه أنْ يقولَ له : يرحمُك اللهُ ، وأمَّا التثاؤبُ : فإنَّما هوَ مِن الشيطانِ ، فإذا تثاءَب أحدُكم فليرُدَّه ما استطاع ، فإنَّ أحدَكم إذا تثاءَب ضَحِك منه الشيطانُ))صحيح البخاري 6226.
هذا كله أدلة على أن الشيطان قريب من ثغراتنا ( الأنف, الفم)
3 – حديث النبي عليه الصلاة والسلام ((إنَّ الشيطانَ يَجري منَ ابنِ آدَمَ مَجرى الدمِ)),صحيح البخاري 7171
4 - وأيضا الحديث المشهور الذي عند مسلم:((إذا دخل الرجلُ بيتَه، فذكر اللهَ عند دخولِه وعند طعامِه، قال الشيطانُ:لا مَبيتَ لكم ولا عشاءَ، وإذا دخل فلم يذكر اللهَ عند دخولِه،قال الشيطانُ: أدركتُم المَبيتَ. وإذا لم يذكر اللهَ عند طعامِه،قال:أدركتُم المَبيتَ والعَشاءَ)).صحيح مسلم 2018
5 - والناس يدخلون إلى بيوتهم فيتربصهم، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم كما في صحيح البخاري ومسلم:((إذا كانَ جُنحُ اللَّيلِ أو أمسَيتُم فكفُّوا صِبيانَكم فإنَّ الشَّياطينَ تنتشِرُ حينئذٍ فإذا ذهبَ ساعةٌ منَ اللَّيلِ فخلُّوهم فأغلقوا الأبوابَ واذكروا اسمَ اللَّهِ فإنَّ الشَّيطانَ لا يفتَحُ بابًا مغلقًا)) صحيح البخاري 5632
6 - أيضًا في حال النوم يأتي الشيطان فيتلاعب ببني آدم بالرؤى, وأخطر من ذلك ان يأتي الشيطان إلى الصلاة فيأمره بالالتفات, و النبي صلى الله عليه و سلم يقول عن الالتفات:((هو اختلاسٌ، يَخْتَلِسُهُ الشيطانُ من صلاةِ العبدِ))صحيح البخاري 251
- ماذا نفهم من الأحاديث السابقة ؟
نفهم مدى أفعاله التي علينا أن نشعر منها بعداوته. وهذه العداوة يستخدم فيها ثغراتنا, يستخدم فيها حبنا لنفسنا, يستخدم فيها هوانا, فالأمر جدّ خطير, عدوّ متربّص، ونفس مستسلمة، وقلب مريض.
- ماذا وصف ابن القيم حال الشيطان في البدائع ؟
"فيأمر العبد بالمعصية ثم يلقي في قلوب الناس يقظةً ومنامًا إنه فعل كذا وكذا، ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه أحد من الناس فيصبح والناس يتحدثون به وما ذاك إلا أن الشيطان زينه له وألقاه في قلبه ثم وسوس إلى الناس بما فعل وألقاه إليهم, فأوقعه في الذنب ثم فضحه به، فالرب تعالى يستره والشيطان يجهد في كشف ستره وفضيحته، فيغتر العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله تعالى ولم يشعر بأن عدوه ساع في إذاعته وفضيحته وقلّ من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة!".
يعني أن العبد يفعل معصية ثم الشيطان يُلقي في قلوب الناس أن هذا العبد فعل المعصية.
خطر عظيم! عدو خطير! عدم تنبّهنا له يجعله يصطادنا في كل طريق ونهلك بسببه، فمن المعلوم ما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان يترصّدنا فيه, أيّ طريق من طرق الخير يعيقه علينا ويشوشنا بالمعارضات و القواطع.

قلبك قبل رمضان 23
- هل للشيطان طرق ليوقع النفس في الغفلة ؟
له طرق في إيقاع النفس :
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ}.
{اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِ‌جُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ‌ وَالَّذِينَ كَفَرُ‌وا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِ‌جُونَهُم مِّنَ النُّورِ‌ إِلَى الظُّلُمَاتِ}.
{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُ‌ورً‌ا}.
على كل حال المقصود أن ملاحظة عداوته طريق لِصدّ شرِه عنا, ولكي نمنعه من نفوسنا فلا يركبها و يثير على نفوسنا الهوى, ولكي لا يكون الشيطان هو محرك الأمراض التي في القلوب, فإن الحسد من آثار الشيطان, والكبر من نفخه, والعجب من طريقه وسيره. فما من مرض في القلب إلا وهو في الشيطان, و طريق المرض هو ركوب الشيطان النفس الأمارة بالسوء حتى تسيطر على القلب. فتجد القلب مريض بعدة أمراض و كلها خطط شيطانية.
أبواب الشيطان إلى القلب:
- الحرص والحسد
- الشبع
- الطمع في الناس
- الطمع في الأموال
- البخل
- التعصّب بأنواعه
- سوء الظن بالمسلمين 
- حسن الظن بالنفس 
- إذا عرفنا هذه الطرق ماذا نتعلم منها ؟
هناك عبادة نغفل عنها وهي أساس في حياة العبد، الآ وهي عبادة الإستعاذة .
ونتعلم أهمية سورتي المعوذتين وسورة إلإخلاص,في الصباح والمساء وعند الرقية. 
هذا هو الدرس الآخير في هذه السلسة .

نسأل الله عزّ وجلّ بمنّه وكرمه أن ينشر على بلاد المسلمين الأمن والأمان, ونسأله سبحانه وتعالى أن يردّ ضالهم, ويشرح صدور المسلمين للحق.
معلمتي أم محمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق