الثلاثاء، 12 مايو 2015

شرح دعاء قنوت الوتر

شرح
دعاء قنوت الوتر
لفضيلة الشيخ العلامة
محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له و لوالديه و للمسلمين


بسم الله الرحمان الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمداً عبده و رسوله صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و سلم تسليمًا كثيراً، أما بعد:
فهذا شرح مختصر لدعاء قنوت الوتر قرره فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله تعالى- في دروسه العلمية التي كان يلقيها بالمسجد الحرام في شهر رمضان المبارك.
وقد قام- مشكورا- محمد بن صالح بن محمد الحربي - جزاه الله خيراً- بعرضه على فضيلة الشيخ المؤلف - رحمه الله تعالى- و اعتنى- أثابه الله - بإخراج الطبعة الأولى عام 1417.
و من أجل تعميم القاعدة بهذا الشرح الميسر، و بعد مقابلته على النسخة التي راجعها و اعتمدها فضيلة الشيخ المؤلف - رحمه الله - فإنه يسر اللجنة العلمية إفراده مستقلا بهذه الرسالة و إعادة نشره مع فتوى لفضيلته - رحمه الله - عن سؤالين لهما صلة بالموضوع.
 نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، نافعًا لعباده، و أن يجزي فضيلة شيخنا المؤلف عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء، و يسكنه فسيح جنانه، إنه سميع قريب، و الحمد لله رب العالمين و صلى الله و سلم و بارك على نبينا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

اللجنة العلمية                 
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
                                                                                             15/8/1424ﻫ             

الحديث

ورد في مسند الإمام أحمد عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما- قال: علّمني رسول الله صلى الله عليه و سلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر:«اللهم أهدني فيمن هديت، و عافني فيمن عافيت، و تولني فيمن توليت، و بارك لي فيما أعطيت، و قني شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي و لا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت و لا يعز من عديت، تبارك ربنا و تعاليت».(رواه أحمد(1/199)و أبو داود،كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، رقم(1425) و الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم(464)و النسائي، كتاب قيام الليل، باب الدعاء في الوتر، رقم(1745)و ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم(1178)).

الشرح

*«اللهم اهدنا فيمن هديت» أي دلنا على الحق و وفقنا للعمل به، و ذلك لأن الهداية التامّة النافعة هي التي يجمع الله فيها للعبد بين العلم و العمل، لأن الهداية بدون عمل لا تنفع، بل هي ضرر لأن الإنسان إذا لم يعمل بما علم صار علمه وبالاً عليه.
 مثال الهداية العلمية بدون العمل: قوله تعالى:« وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ»[فصلت:17]، أي بينّا لهم الطريق و أبلغناهم العلم، و لكنهم - والعياذ بالله- استحبوا العمى على الهدى.
و من ذلك أيضّا من الهداية التي هي العلم و بيان الحق،قول الله تبارك و تعالى للنبي صلى الله عليه و سلم:« وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[الشورى:52]، أي تدل و تبين و تعلم الناس الصراط المستقيم. و أما الهداية التي بمعنى التوفيق فمثل قوله تعالى« إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ»[القصص:56].هذه هداية التوفيق للعمل ، فالرسول صلى الله عليه و سلم لا يستطيع أن يوفق أحداً للعمل الصالح أبدًا، و لو كان يستطيع ذلك لاستطاع أن يهدي عمه أبا طالب، و قد حاول معه حتى قال له عند وفاته أي قال لعمّه عند وفاة عمّه:«يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، و لكن قد سبقت من الله عزّ و جل الكلمة بأنه من اهل النار و العياذ بالله فلم يقل:«لا إله إلا الله»و كان آخر ما قال:«هو على ملة عبد المطلب»(رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب)، لكن الله عز و جل أذن لرسوله صلى الله عليه و سلم أن يشفع له، لا لأنه عمه، لكن لأنه قام بالدفاع عن النبي صلى الله عليه و سلم و عن الإسلام، فشفع النبي صلى الله عليه و سلم في عمه فكان في ضحضاح من نار و عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه و إنه لأهون أهل النار عذابًا، قال النبي صلى الله عليه و سلم« و لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار».(رقم(3884)مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت..رقم(24)).
فإذا قلنا في دعاء القنوت:
*«اللهم اهدنا فيمن هديت» فإننا نسأل الهدايتين، هداية العلم و هداية العمل، كما أن قوله تعالى:« إهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ»[الفاتحة:6]،يشمل الهدايتين هداية العلم، و هداية العمل، فينبغي للقارئ أن يستحضر أنه يسأل الهدايتين:هداية العلم و هداية العمل.
و قوله:«فيمن هديت»هذه من باب التوسل بإنعام الله تعالى على من هداه، أن ينعم علينا نحن أيضًا بالهداية.
و يعني: أننا نسألك الهداية فإن ذلك من مقتضى رحمتك و حكمتك و من سابق فضلك فإنك قد هديت أناسًا آخرين.
*«وعافنا فيمن عافيت»عافنا من أمراض القلوب و أمراض الأبدان. و ينبغي لك يا أخي أن تستحضر و أنت تدعو، أن الله يعافيك من أمراض البدن، و أمراض القلب؛لأن أمراض القلب أعظم من أمراض البدن و لذلك نقول في دعاء القنوت:«اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا».
أمراض الأبدان معروفة لكن أمراض القلوب. تعود إلى شيئين:
الأول:أمراض الشهوات التي منشؤها الهوى.
الثاني: أمراض الشبهات التي منشؤها الجهل.
فالأولى: أمراض الشهوات التي منشؤها الهوى، أن يعرف الإنسان الحق، لكن لا يريده؛لأن له هوى مخالفًا لما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم.
و الثاني: أمراض الشبهات التي منشؤها الجهل؛ لأن الجاهل يفعل الباطل يظنه حقًا و هذا مرض خطير جدًا.
فأنت تسأل الله المعافاة و العافية من أمراض الأبدان، و من أمراض القلوب، التي هي أمراض الشبهات، و أمراض الشهوات.و قولنا:
*«تولنا فيمن توليت»أي كُنْ وليّاً لنا ، و الولاية نوعان: عامّة و خاصّة.
فالولاية الخاصّة: للمؤمنين خاصّة، كما قال تعالى:« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ»[البقرة:257]، فتسأل الله تعالى الولاية الخاصة التي تقتضي العناية بمن تولاه الله عزّ و جل و التوفيق لما يحبه و يرضاه.
أما الولاية العامة، فهي تشمل كل أحد، فالله ولي كل أحد، كما قال تعلى:« حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ»[ الأنعام:6]، و هذا عام لكل أحد، ثم قال:« ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ»[الأنعام:62].
لكن عندما نقول:«اللهم اجعلنا من أوليائك»،أو«اللهم تولنا» فإننا نريد بها الولاية الخاصة، و هي تقتضي العناية و التوفيق لما يحبه و يرضاه. و قولنا:
*« و بارك لنا فيما أعطيت» البركة هي الخير الكثير الثابت، و يعيد العلماء ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة، فإنها من البِركة، بكسر الباء و هي مجمع الماء، فهي شيء واسع ماؤه كثير ثابت. فالبَركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة. و المعنى أي: أنزل لي البركة فيما أعطيتني.
«فيما أعطيت»أي أعطيت من المال و الولد و العلم و غير ذلك مما أعطى الله عزّ و جل، فتسأل الله البركة فيه، لأن الله إذا لم يبارك لك فيما أعطاك،حرمت خيرًا كثيرًا.
ما أكثر الناس الذين عندهم مال كثير لكنهم في عداد الفقراء، لأنهم لا ينتفعون بمالهم، يجمعونه و لا ينتفعون به، و هذا من نزع البركة.
كثير من الناس عنده أولاد، لكن أولاده لا ينفعونه لما فيهم من عقوق، و هؤلاء لم يُبارك لهم في أولادهم.
تجد بعض الناس أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي، لا يظهر أثر العلم عليه في عبادته، و لا في أخلاقه، و لا في سلوكه، و لا في معاملته مع الناس، بل قد يُكْسِبه العلم استكبارًا على عباد الله، و علوًا عليهم، و احتقارًا لهم، و ما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، تجده لم ينتفع الناس بعلمه، لا بتدريس، و لا بتوجيه، و لا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، و هذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله للعبد، لأن العلم إذا علّمته غيرك و نشرته بين الناس، أُجِرتَ على ذلك من عدة وجوه:
الأول: أن في نشرك للعلم نشرًا لدين الله عزّ و جل فتكون من المجاهدين في سبيل الله، لأنك تفتح القلوب بالعلم، كما يفتح المجاهد البلاد بالسلاح و الإيمان.
الثاني: من البركة نشر العلم و تعليمه أن فيه حفظًا لشريعة الله عزّ و جل و حماية لها، لأنه لولا العلم لم تحفظ الشريعة.
الثالث: من بركة نشر العلم، أنك تُحسن إلى هذا الذي علمته،لأنك تبصره في دين الله عزّ و جل فإذا عبد الله على بصيرة كان لك مثل أجره؛ لأنك أنت الذي دللته على الخير، و الدال على الخير كفاعله.
الرابع: أن في نشر العلم و تعليمه زيادة له، فعلم العالم يزيد إذا علّم الناس، لأنه استذكار لما حفظ و انفتاح لما لم يحفظ، كما قال القائل:
يـزيـد بكثـرة الإنـفاق منـه*** و ينقـص إن بـه كفَّـا  شـددتـا
أي: إذا أمسكته و لم تعلمه نقص.
*« وقنا شر ما قضيت» الله عزّ و جلّ يقضي بالخير و يقضي بالشر. أما قضاؤه بالخير فهو خير محض في القضاء و المقضي.
مثال القضاء بالخير:القضاء للناس بالرزق الواسع، و الأمن و الطمأنينة، و الهداية و النصر...إلخ. هذا خير في القضاء و المقضي.
القضاء بالشر: خير في القضاء، شر في المقضي.
مثال ذلك: القحط( امتناع المطر) هذا شر، لكن قضاء الله به خير، كيف يكون القضاء بالقحط خيرًا؟ لو قال قائل: إن الله يقدر علينا القحط، و الجدب، فتموت المواشي، و تفسد الزروع، فما وجه الخير؟
نقول: استمع إلى قول الله سبحانه و تعالى:« ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»[الروم:41]، إذًا لهذا القضاء غاية حميدة، و هي الرجوع إلى الله سبحانه و تعالى من معصيته إلى طاعته، فصار المقضي شرًّا و القضاء خيرًا.
و على هذا ف«ما» هنا اسم موصول.
والمعنى: قِنا شرَّ الذي قضيت، فإن الله تعالى يقضي بالشرّ لحكمة بالغة حميدة، و ليست(ما) هنا مصدرية أي شر قضائك لكنها اسم موصول بمعنى الذي، لأن قضاء الله ليس فيه شر، و لهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما أثنى به على ربه:«و الخير بيديك و الشر ليس إليك» لهذا لا ينسب الشر إلى الله سبحانه و تعالى.
*«إنك تقضي و لا يُقضى عليك» الله عزّ و جل يقضي قضاء شرعيًا و قضاء كونيًا، فالله تعالى يقضي على كل شيء و بكل شيء، لأن له الحكم التام الشامل.
« و لا يقضى عليك» أي لا يقضي عليه أحد، فالعباد لا يحكمون على الله، و الله يحكم عليهم، العباد يُسألون عما عملوا، و هو لا يُسأل:« لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون»[الأنبياء23].
*«إنه لا يذل من واليت، و لا يعزّ من عاديت» و هذا كالتعليل لقولنا فيما سبق:« و تولنا فيمن توليت»، فإذا تولى الله الإنسان فإنه لا يذل، و إذا عادى الله الإنسان فأنه لا يعز.
و مقتضى ذلك أننا نطلب العز من الله سبحانه، و نتقي من الذل بالله عزّ و جل، فلا يمكن أن يذل أحد و الله تعالى وليه، فالمهم هو تحقيق هذه الولاية. و بماذا تكون هذه الولاية؟
هذه الولاية تكون بوصفين بيّنهما الله عزّ و جل في كتابه، فقال عزّ و جل :« أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ»[يونس:62،63]، وصفات أحدهما في القلب،و الثاني في الجوارح.( الذين أمنوا) في القلب، (و كانوا يتقون) هذه في الجوارح، فإذا صلح القلب و الجوارح، نال الإنسان الولاية بهذين الوصفين، و ليست الولاية فيمن يدعيها من أولئك القوم الذين يسلكون طرق الرهبان و أهل البدع الذين يبتدعون في شرع الله ما ليس منه، و يقولون نحن الأولياء. فولاية الله عزّ و جل التي بها العز هي مجموعة في هذين الوصفين: الإيمان و التقوى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أخذا من هذه الآية:« الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ»[ يونس:63] «من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا» و صدق رحمه الله: لأن هذا الذي دلّ عليه القرآن.
*«و لا يعزّ من عاديت» يعني أن من كان عدوًّا لله فإنه لا يعز، بل حاله الذل و الخسران و الفشل، قال الله تعالى:« مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ»[البقرة:98]، فكل الكافرين في ذل و هم أذلة. و لهذا لو كان عند المسلمين عز الإسلام و عز الدين و عز الولاية، لم يكن هؤلاء الكفار على هذا الوضع الذي نحن فيه الآن، حتى إننا ننظر إليهم من طرف خفي، ننظر إليهم من طريق الذل لنا، و العز لهم ، لأن أكثر المسلمين اليوم مع الأسف لم يعتزوا بدينهم، و لم يأخذوا بتعاليم الدين، و ركنوا إلى مادة الدنيا، و زخارفها، و لهذا أصيبوا بالذل، فصار الكفار في نفوسهم أعز منهم. لكننا نؤمن أن الكفار أعداء الله و أن الله كتب الذل على كل عدو له، قال الله تعالى:« إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ»[المجادلة:20]. و هذا خبر مؤكد، ثم قال :« كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ»[المجادلة:2]، فمن عادى الله عزّ و جل فهو ذليل لا يمكن أن يكون عزيزا إلا في نظر من لا يرى العزة إلا في مثل ما كان عليه هذا الكافر ، و أما من نظر أن العزة لا تكون إلا بولاية الله عزّ و جل و الاستقامة على دينه فإنه لا يرى هؤلاء إلا أذل خلق الله.
*«تباركت ربنا و تعاليت» هذا ثناء على الله عزّ و جل بأمرين: أحدهما التبارك، و التاء للمبالغة، لأن الله عزّ و جل هو أهل البركة «تباركت» أي كثرت خيراتك و عمت وسعت الخلق، لأن البركة كما قلنا فيما سبق هي الخير الكثير الدائم.
و قوله: «ربنا» أي يا ربنا، فهو منادي حذفت منه ياء النداء.
و قوله:« و تعاليت» من العلو الذاتي و الوصفي . فالله سبحانه و تعالى عليّ بذاته و عليِّ بصفاته. عليٌّ بذاته  فوق جميع الخلق، و علوه سبحانه و تعالى وصف ذاتي أزلي أبدي، أما استواؤه على العرش فإنه وصف  فعْلِيّ يتعلق بمشيئته سبحانه و تعالى، و العرش: هو أعلى المخلوقات، و عليه استوى الله عزّ و جل، يعني علا عليه علوّا يليق بجلاله و عظمته، لا نكيِّفُه و لا نمثِّله و هذا العلو أجمع عليه السلف الصالح لدلالة القرآن و السنة و العقل و الفطرة على ذلك.(راجع هذا البحث في شرح فضيلة شيخنا رحمه الله للعقيدة الواسطية)
و أما العلو الوصفي فمعناه أن الله له من صفات الكمال أعلاها و أتمها، و أنه لا يمكن أن يكون في صفاته نقص بوجه من الوجوه.
و في دعاء القنوت جملة يكثر السؤال عنها مما يدعو به أئمتنا في قنوتهم، يقولون:«هب المسيئين منا للمحسنين» فما معناها؟؟؟
أقرب الأقوال فيها أنها من باب الشفاعة، يعني أن هذا الجمع الكبير فيهم المسيء، و فيهم المحسن، فاجعل المسيء هدية للمحسن بشفاعته له فكأنه قيل و شفع المحسنين منا المسيئين.
تم بحمد الله و توفيقه و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله
و أصحابه و أتباعه إلى يوم الدين.

 سؤال و جواب

سئل فضيلة الشيخ  رحمه الله تعالى  هل تجوز الزيادة على هذا الدعاء الذي علّمه رسول الله صلى الله عليه و سلم الحسن بن علي رضي الله عنهما 
فأجاب فضيلته رحمه الله:
لا بأس أن يزيد الإنسان على هذا الدعاء في قنوت الوتر، و إن كان وحده فليدعُ بما شاء، و لكن الأفضل أن يختار الإنسان جوامع الدعاء، لأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يدعو بجوامع الدعاء و يَدَعُ ما دون ذلك، و ينبغي للإمام أن لا يطيل على الناس و أن لا يشق عليهم.

و سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى عمن يدعو و يستبطئ الإجابة و يقول: قد دعوت الله  عزّ و جل  فلم يستجب لي.
فأجاب فضيلته رحمه الله  بقوله:
الحمد لله رب العالمين و أصلي و أسلم على نبينا محمد و على آله و أصحابه أجمعين و أسأل الله تعالى لي و لإخواني المسلمين التوفيق للصواب عقيدة و قولا و عملاً بقول الله  عزّ و جل :« وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ»[ غافر:60]، و يقول السائل إنه دعا الله عزّ و جل و لم يستجب الله له فيستشكل هذا الواقع مع هذه الآية الكريمة التي وعد الله تعالى فيها من دعاء بأن يستجيب له، و الله سبحانه و تعالى لا يخلف الميعاد.
و الجواب على ذلك أن للإجابة شروطًا لابد أن تتحقق و هي:
الشرط الأول: الإخلاص لله عزّ و جل بأن يخلص الإنسان في دعائه فيتجه إلى الله سبحانه و تعالى بقلب حاضر صادق في اللجوء إليه عالم بأنه عزّ و جل قادر على إجابة الدعوة، مؤمل الإجابة من الله سبحانه و تعالى.
الشرط الثاني: أن يشعر الإنسان حال دعائه بأنه في أمس الحاجة، بل في أمس الضرورة إلى الله سبحانه و تعالى، و أن الله تعالى وحده هو الذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه و يكشف السوء.
أما أن يدعو الله عزّ و جل و هو يشعر بأنه مستغن عن الله سبحانه و تعالى و ليس في ضرورة إليه و إنما يسأل هكذا عادة فقط أو للتجربة فإن هذا ليس بحري بالإجابة.
الشرط الثالث:أن يكون متجنبًا لأكل الحرام فإنّ أكل الحرام حائل بين الإنسان و الإجابة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، و إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» فقال تعالى:« يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ»[البقرة:172]، و قال تعالى:« يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا»[المؤمنون:51]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه و سلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب و مطعمه حرام و ملبسه حرام و غذِّي بالحرام قال النبي صلى الله عليه و سلم«فأنى يستجاب لذلك»(رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة....، رقم 1015).
فاستبعد النبي صلى الله عليه و سلم أن تستجاب لهذا الرجل الذي قام بالأسباب الظاهرة التي بها تستجلب الإجابة و هي:
الأولى: رفع اليدين إلى السماء أي إلى الله عزّ و جل لأنه تعالى في السماء فوق العرش، و مد اليد إلى الله عزّ و جل من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند:«إن الله حيّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صِفْرًا»(رواه الترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي صلى الله عليه و سلم....رقم(3556) و أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، رقم(1488)و ابن ماجة، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، رقم(3865)).
ثانيا: هذا الرجل دعا الله تعالى باسم الرب «يا رب يا رب» و التوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة، لأن الرب هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور فبيده مقاليد السموات و الأرض و لهذا تجد أكثر الدعاء الوارد في القرآن الكريم بهذا الاسم:« رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا ‏سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ ‏ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ* فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِِ»[ آل عمران:193،195].
فالتوسل إلى الله تعالى بهذا الاسم من أسباب الإجابة.
ثالثا:هذا الرجل كان مسافرًا و السفر غالبًا من أسباب الإجابة، لأن الإنسان في السفر يشعر بالحاجة إلى الله عزّ و جل و الضرورة إليه أكثر مما إذا كان مقيمًا في أهله، لاسيما في الزمن السابق «و أشعث أغبر» كأنه غير مَعْنِي بنفسه كأن أهم شيء عنده أن يلتجئ إلى الله و يدعوه على أي حال كان هو، سواء كان أشعث أغبر أم مترفُا، و الشعث و الغبر له أثر في الإجابة كما في الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا عشية عرفة يباهي الملائكة بالواقفين فيها يقول « أتوني شعثًا غبرًا ضاحين من كل فج عميق».
هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم تُجْدِ شيئًا لكون مطعمه حرامًا وملبسه حرمًا و غذِّي بالحرام قال النبي صلى الله عليه و سلم:« فأنى يستجاب لذلك» فهذه الشروط لإجابة الدعاء إذا لم تتوفر فإن الإجابة تبدو بعيدة، فإذا توافرت و لم يستجب الله للداعي فإنما ذلك لحكمة يعلمها الله عزّ و جل و لا يعلمها هذا الداعي فعسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و إذا تمت هذه الشروط و لم يستجب الله عزّ و جل فإنه إما أن يدفع عنه من السوء ما هو أعظم، و إما أن يدخرها له يوم القيامة فيوفيه الأجر أكثر و أكثر ، لأن هذا الداعي الذي دعا بتوفر الشروط و لم يستجب له و لم يصرف عنه من السوء ما هو أعظم يكون قد فعل الأسباب و مُنِع الجواب لحكمة فيعطى الأجر مرتين: مرة على دعائه و مرة على مصيبته بعدم الإجابة فيدخر له عند الله عزّ و جل ما هو أعظم و أكمل . ثم إن المهم أيضًا أن يستبطئ الإنسان الإجابة فإن هذا من أسباب منع الإجابة كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم:« يستجاب لأحدكم ما لم يعجل قالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: دعوت و دعوت و دعوت فلم يستجب لي»(رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، رقم(6340)، و مسلم، كتاب الذكر و الدعاء...باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل...رقم(2735)).
فلا ينبغي للإنسان أن يستبطئ الإجابة فيستحسر عن الدعاء و يدع الدعاء بل يلح في الدعاء فإن كل دعوة تدعو بها الله عزّ و جل فإنها عبادة تقربك إلى الله عزّ و جل و تزيدك أجرًا فعليك يا أخي بدعاء الله عزّ و جل في كل أمورك العامة و الخاصة الشديدة و اليسيرة و لو لم يكن من الدعاء إلا أنه لله سبحانه و تعالى لكان جديرًا بالمرء أن يحرص عليه، و الله الموفق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق